“ إن التفكير مستحيل من دون صور
أرسطو
مصطفى بشارات
ما مضى.. مضى وانقضى ولن يعود.. تلك حقيقة ندركها جيدا، وان كان كثير منا لا يريد أن يعترف بها.
لكل ما سبق علاقة بهوسنا الذي يصل حدّ الجنون في ذكريات غابرة لم يبق منها الا ظلال باهتة لا تزال تحوّم في خيالاتنا.
ربما لذلك علاقة بالغواية التي تدخلنا فيها الصورة فتجعلنا نتعلق بها أكثر من الأصل.. ربما هي العادة المتأصلة في الانسان، وهي توقه الدائم للاكتشاف: هي السبب..واذا لماذا تجذبنا الروائح العطرية؛ ونحاول الامساك بالأصوات الشجية؛ حينما تأتينا من بعيد؟.
حين سألت أحد الأصدقاء أيهما أحب على قلبه: ابداعه عندما ينشر على النت؛ أو ذلك الذي يجده في كتاب أو صحيفة ــــ حينذاك ردّ علي ودون تردد وهل أجمل من الزهرة الفوّاحة معتبرا أن ما تحمله الشبكة العنكبوتية ليس الا زهورا بلاستيكية لا نستيطع أن نضمها الى صدورنا؛ أو نلتقطها بأيدينا فنشمها؛ فهناك دائما الشاشة الزجاجية التي تقف أمامنا، كحاجز، دون ذلك.
ومع هذا وذاك أسأل: هل حقّا الطريق الى البيت أجمل من البيت ذاته .. وهل تشبه هذه المسافة- بين المتخيل والواقع- تلك الثانية التي تقطعها قطرة المطر: بدءا من تشكلها في الغيمة، وانتهاء بها وقد أصبحت ماء يحفر أخاديد على الأرض؛ ربما كان مصيرها في حفرة المجاري

























مارة يعقوبيان الواقعة على شارع سليمان باشا- طلعت حرب حاليا- لقد فعل ذلك، لا لشيء؛ الا لأن هذا المكان هو قلب القاهرة، والذي يرصد الكاتب ثلاثة تحولات مرت عليه، أو، ان شئتم، ثلاثة أنهار جرت فيه : فترة الاقطاع- حتى أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات- وعاد فيها بطل الرواية ( زكي عبد العال باشا الدسوقي ) من بعثة دراسية في فرنسا، وافتتح في العمارة مكتبا هندسيا فاشلا، لا يفصله عن مكان سكنه في ( ممر بهلر ) سوى مئة متر، وكان شارع سليمان باشا، وقتها، لا يزال يحتفظ بطابعه الأوروبي، وسكن يعقوبيان وزراء وباشوات ورجال صناعة أجانب واثنان من مليونيرات اليهود، وبقي السطح لخزين الأغذية- فترة الاقطاع- وبدأت بثورة الضباط الأحرار عام 1952، وهجر وقتها البلد اليهود والأجانب، واستولى على شقق العمارة ضباط الثورة واستخدمت السطوح من نساء بعضهم لتربية الدجاج- والفترة الثالثة، ولا تزال مستمرة حتى وقتنا الحاضر، وتجري فيها أحداث الرواية- هي فترة الانفتاح الخصخصة في لغة الاقتصاد وبدأت في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، ونشأ على سطح العمارة مجتمع جديد، هو مجتمع الفقراء، وبدأ الأثرياء بالخروج من وسط البلد الى المهندسين ومدينة نصر واجتاحت المجتمع المصري موجة كاسحة من التدين ساهم فيها، وبتناغم، وكل حسب مصلحته، النظام الحاكم، بشكل خاص حكم الرئيس السادات- والتيار الاسلامي المعارض الاخوان المسلمون .




قلة اهدانا قلب صيفنا اشتانا " ـ لم تسقط.
***** 