إن ما باتت تعرف بـ "وثائق ويكيليكس" ــ بكل المعلومات التي كشفتها، وبصرف النظر عن التفاصيل ــ تعد من أكبر الفضائح حتى هذا التاريخ من القرن الحادي والعشرين. فضيحة تعري النظام الدولي الراهن، وتكشّف زيف ادعاءاته الحضارية، وأنه نظام مفتوح للجميع. وما خفي، ربما كان أعظم، لكن هذه حكاية أخرى، أظن أنها ستبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية (كجرح).
ستكون هناك تداعيات جمة لهذه الوثائق ــ أعلم ذلك ــ بعضها عرفناه، و"الآخر سيأتي بعد يوم".. خصوصاً تداعيات تلك البرقيات الـ 250 ألفاً التي كانت تتداولها الخارجية الأميركية في واشنطن مع سفاراتها في العالم، وبينها برقيات ندب ــ من ندبة ــ تحمل اسم الوزيرة هيلاري كلينتون نفسها، تطلب فيها من الدبلوماسيين في هذه السفارات جمع معلومات تكون عادة من اختصاص الجواسيس، مثل الحصول على
أرقام بطاقات ائتمان شخصيات أجنبية.
[لا أقلل هنا من الأوصاف (البثور) التي أسبغها الدبلوماسيين على زعماء العالم في برقياتهم المرسلة إلى "معالي" الوزيرة كلينتون، فتلك ــ كما قلت ــ حكاية أخرى، وجرح لن يندمل].
إن الأبعاد التي ستمضي إليها هذه التداعيات، ومعها مصير جوليان أسانج مؤسس ويكيليكس المطلوب في السويد في إطار تحقيق بتهمة "الاغتصاب والاعتداء الجنسي"، ستبقى مجهولة إلى حين، ومعها مصير الجندي الأميركي برادلي مانينغ، والذي اعتقل في أيار الماضي للاشتباه باحتمال وقوفه وراء تسريب هذه الوثائق.
إن الخوض في تحليل ما ستأخذه تلك الأبعاد، وتوقع المآلات التي ستؤول إليها القضية، ومعهما مصير أسانج ومانينغ، ومستقبل العلاقات بين عواصم العالم المختلفة وواشنطن أمر غاية في الأهمية. لقد كان للكثيرين إسهامات في الموضوع، لكنها، وحتى اللحظة ــ على ما أعرف ــ نحت منحى سياسياً بامتياز، وهذا ما لن أسلكه هنا، دون التقليل أو الاستخفاف بهكذا مسعى.
إن ما يهمني هو ما تكشفه تلك الوثائق ــ وهذا افتراض يحتمل النقض ــ عن هشاشة النظام الدولي، وسأنطلق في ذلك معتمداً على ما أرساه حقل الدراسات الثقافية، وخاصة في مجال دراسة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات ( ICT)، وأطروحة ستيوارت هل Stuart Hall حول الوكالة (القدرة) التي يمتلكها الجمهور لمقاومة سطوة هذه التكنولوجيا، وسألحظ في السياق النظرة التشاؤمية لأطروحات بعض مريدي تيار ما بعد الحداثة ( Post Modernisms )، وملخصها أن لا ملاذ لمستهلكي التقنيات الحديثة إلا إليها، وكأنهم بذلك ينذرون بـ "نهاية التاريخ" وفقاً لما كتبه الغرب بفضل آخر ما وصل إليه من اختراعات.
إنني، وفي مسعاي هذا لإثبات افتراضي السابق، أنطلق من فهم للتاريخ، يرى أن هذا النهر المتدفق، لا يجري، ولا تتوزع مصابه، وتتنوع روافده، بعيداً عن الطاقة التي تختزنها الشعوب في ثقافاتها المتراكمة عبر العصور: بدءاً من عصر الشفاهية، وحتى "عصر ثقافة الصورة"… وهي طاقة، أرى كذلك، أنها تمتلك قدرةً هائلةً على التصدي لهول السطوة التي أصبحت عليها مختلف مؤسسات السلطة المعاصرة، ومعها تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات التي تتسلح بها، وما وصلت إليه الأخيرة من تعقيد لا ينتهي إلى قرار.
إن ذلك مهم، برأيي، لبعث الأمل، وتبديد الشكوك والإحباط، وهي تماماً حالة الغالبية من المثقفين العرب، وهم ينظرون إلى العولمة وإفرازاتها على أنها قدر لا فكاك منه.
[ (خلفية) من الجزيرة نت: تم تأسيس الموقع في تموز 2007 وبدأ منذ ذلك الحين بالعمل على نشر المعلومات، وخوض الصراعات والمعارك القضائية والسياسية من أجل حماية المبادئ التي قام عليها، وأولها "صدقية وشفافية المعلومات والوثائق التاريخية وحق الناس في خلق تاريخ جديد".
اسم الموقع جاء من دمج كلمة "ويكي"، وتعني الباص المتنقل مثل المكوك من وإلى مكان معين، وكلمة "ليكس" تعني بالإنكليزية "التسريبات".
وانطلق الموقع بداية من خلال حوار بين مجموعة من الناشطين على الإنترنت من أنحاء متفرقة من العالم مدفوعين بحرصهم على احترام وحماية حقوق الإنسان ومعاناته، بدءاً من قلة توفر الغذاء والرعاية الصحية والتعليم والقضايا الأساسية الأخرى. ورأى القائمون على الموقع أن أفضل طريقة لوقف هذه الانتهاكات هو كشفها وتسليط الضوء عليها.
ويعتمد الموقع في أغلبية مصادره على أشخاص يوفرون له المعلومات اللازمة من خلال الوثائق التي يكشفونها، ومن أجل حماية مصادر المعلومات يتبع موقع ويكيليكس إجراءات معينة منها وسائل متطورة في التشفير تمنع أي طرف من الحصول على معلومات تكشف المصدر الذي وفر تلك التسريبات].
إن ما هو لافت على ضوء الخلفية السابقة كثير، لكن ما سأركز عليه هما أمران؛ لعلاقتهما بموضوع هذه الأطروحة.
أولاً ــ تركيبة ويكيليكس: وهي من صنو التركيبة التي تتسلح بها وزارتا الدفاع (البنتاغون) والخارجية الأميركيتين لحماية المعلومات ذات الصلة بما يدعوانه "الأمن القومي الأميركي". إن الفضاء المرقمن ( Digital ) الذي توفره الشبكة العنكبوتية ( Internet ) وأرادت الوزارتان الاستحواذ به والتلطي خلفه لدرء سوءاتهما، كان ملاذاً في الوقت نفسه، وربما أيضاً، أو بعد ذلك، لويكيليكس وما يمثله ــ إن صح التعبير ودون رفع لسقف التوقعات أو التشريف ــ من قوى "مقاومة"، أو في أقل تقدير "مشاكسة" تريد أن تغرد بطريقتها، وتطير في سماء هذا العالم الافتراضي المفتوح للجميع، وليس فقط لقوى الهيمنة ورأس المال والاحتكارات والشركات المتعددة الجنسيات (العابرة للقارات).
إن الشبكة التي حفظت تلك المعلومات السرية والخطيرة، وبفضل التقنية التي تتيحها، هي نفسها التي مكنت من فضحها. نعم. يحيل ذلك إلى كلام جان بودريار عن النظام الذي يحيل إلى نفسه. أطروحة بودريار أن ما يقدمه هذا النظام ــ ويقصد عالم التكنولوجيا المرقمنة ــ لا يحيل إلى واقع يقع على مسافة من الجمهور، بل إن ما يحدث هو جسر لهذه المسافة حد تبديدها، لدرجة أن المحصلة هي غياب الحقيقة، والقدرة على النقد أمام نتيجة هي وهم أو ضباب لا يمكن الإمساك به.
ويمثل الفيلسوف الفرنسي على ذلك بمقاربة للصورة التي هي تمثيل لواقع، كما يقول رولان بارت، لكنها في الحقيقة، وحسب بودريار، لا تقدم لنا إلا صورة عن صورة، عن صورة، هي مصدرها ذاتها (الصورة)، فيموت الواقع وينشأ ما يدعوه "عالم فوق الواقع"، ويستشهد على ذلك لنفي وقوع حرب الخليج عام 1991، كمثال.
إن الوقفة التي يقفها بودريار، هنا، تشبه تماماً حال الدول، على اختلاف نظمها، أمام خيار الانضمام إلى اتفاقية "الغات" وغيرها من تجليات حرية السوق "المفتوح للجميع"، لا هي تستطيع التملص من التوقيع عليها، ولا حتى الإعلان عن رفضها، ولو كان بهيئة تحفظ. وبالتالي هي تشبه من أصبح وجهه للجدار: لا خيار أمامه، ولا حتى أدنى احتمال.
إن ما عمله ويكيليكس، وبالملموس، هو عكس ذلك. وإن الاتكاء إلى التقنية واستخدامها، هنا، كما في كثير من الحالات، لا يعني الخضوع، ولا الامتثال، وتلك هي أطروحة ستيوارت هل حول "المقاومة".
يقول هل إن لدى الناس وكالة (قدرة) تمكنهم من مفاوضة المعاني، والصور، والتعليمات… من الهبات التي تسبغها عليهم وسائل العولمة، ليس حباً فيهم، بل كتجارة، وكوسيلة للسيطرة وتكريس الأمر الواقع. ويعني هذا العالم ــ الذي يفضل أن يقدم نفسه كأكاديمي ــ بالوكالة (الثقافة)، وتتقاطع في هذه المقاومة (المفاوضة) عناصر: العرق، والدين، والطبقة، والنوع الاجتماعي، والتاريخ، والتعليم… من هذه الخصوصيات التي لا يمكن إخفاؤها بين الشعوب، ولا بين أبناء الشعب الواحد. لذلك، وهذ

























مارة يعقوبيان الواقعة على شارع سليمان باشا- طلعت حرب حاليا- لقد فعل ذلك، لا لشيء؛ الا لأن هذا المكان هو قلب القاهرة، والذي يرصد الكاتب ثلاثة تحولات مرت عليه، أو، ان شئتم، ثلاثة أنهار جرت فيه : فترة الاقطاع- حتى أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات- وعاد فيها بطل الرواية ( زكي عبد العال باشا الدسوقي ) من بعثة دراسية في فرنسا، وافتتح في العمارة مكتبا هندسيا فاشلا، لا يفصله عن مكان سكنه في ( ممر بهلر ) سوى مئة متر، وكان شارع سليمان باشا، وقتها، لا يزال يحتفظ بطابعه الأوروبي، وسكن يعقوبيان وزراء وباشوات ورجال صناعة أجانب واثنان من مليونيرات اليهود، وبقي السطح لخزين الأغذية- فترة الاقطاع- وبدأت بثورة الضباط الأحرار عام 1952، وهجر وقتها البلد اليهود والأجانب، واستولى على شقق العمارة ضباط الثورة واستخدمت السطوح من نساء بعضهم لتربية الدجاج- والفترة الثالثة، ولا تزال مستمرة حتى وقتنا الحاضر، وتجري فيها أحداث الرواية- هي فترة الانفتاح الخصخصة في لغة الاقتصاد وبدأت في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، ونشأ على سطح العمارة مجتمع جديد، هو مجتمع الفقراء، وبدأ الأثرياء بالخروج من وسط البلد الى المهندسين ومدينة نصر واجتاحت المجتمع المصري موجة كاسحة من التدين ساهم فيها، وبتناغم، وكل حسب مصلحته، النظام الحاكم، بشكل خاص حكم الرئيس السادات- والتيار الاسلامي المعارض الاخوان المسلمون .


***** 