" يعقوبيان " الأسواني تكشف " عطب " المجتمع المصري

كتبهامصطفى بشارات ، في 18 أيار 2008 الساعة: 10:28 ص

مصطفى بشارات

 

بالمهارة ذاتها التي بنيت فيها عمارة يعقوبيان عام 1934 لتكون كما لو أنها تحفة من الغرب على أرض الشرق… بنفس المهارة بنى علاء الأسواني، طبيب الأسنان الذي يعالج عطبها ويجسر ما بينها، عالم / عوالم روايته التي حملت نفس اسم العمارة يعقوبيان لتعكس هذه الأخيرة، بدورها، نبض الشارع المصري بكافة تناقضاته.

لقد احتفى الأسنواني كثيرا بالمكان، وهنا هو ع915imaمارة يعقوبيان الواقعة على شارع سليمان باشا- طلعت حرب حاليا- لقد فعل ذلك، لا لشيء؛ الا لأن هذا المكان هو قلب القاهرة، والذي يرصد الكاتب ثلاثة تحولات مرت عليه، أو، ان شئتم، ثلاثة أنهار جرت فيه : فترة الاقطاع- حتى أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات- وعاد فيها بطل الرواية ( زكي عبد العال باشا الدسوقي ) من بعثة دراسية في فرنسا، وافتتح في العمارة مكتبا هندسيا فاشلا، لا يفصله عن مكان سكنه في ( ممر بهلر ) سوى مئة متر، وكان شارع سليمان باشا، وقتها، لا يزال يحتفظ بطابعه الأوروبي، وسكن يعقوبيان وزراء وباشوات ورجال صناعة أجانب واثنان من مليونيرات اليهود، وبقي السطح لخزين الأغذية- فترة الاقطاع- وبدأت بثورة الضباط الأحرار عام 1952، وهجر وقتها البلد اليهود والأجانب، واستولى على شقق العمارة ضباط الثورة واستخدمت السطوح من نساء بعضهم لتربية الدجاج- والفترة الثالثة، ولا تزال مستمرة حتى وقتنا الحاضر، وتجري فيها أحداث الرواية- هي فترة الانفتاح الخصخصة في لغة الاقتصاد وبدأت في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، ونشأ على سطح العمارة مجتمع جديد، هو مجتمع الفقراء، وبدأ الأثرياء بالخروج من وسط البلد الى المهندسين ومدينة نصر واجتاحت المجتمع المصري موجة كاسحة من التدين ساهم فيها، وبتناغم، وكل حسب مصلحته، النظام الحاكم، بشكل خاص حكم الرئيس السادات- والتيار الاسلامي المعارض الاخوان المسلمون .

في هذا السياق، يحق لزكي الدسوقي أن يكون الشخصية المحورية في الرواية؛ باعتباره- أولا: شخصا مخضرما عايش الفترات التاريخية الثلاثة- وثانيا: شخصية فلكلورية ببدلته الكاملة صيف شتاء واسطورية على نحو ما، مما يجعل حضوره مشوقا وغير حقيقي تماما وهنا يخرج المؤلف من عباءة الراوي، كما في مواضع عديدة من الرواية؛ ليحل هذا اللغز فيقول مفسرا، وهذا ليس مطلوبا منه كأنه- الدسوقي- قد يختفي في أية لحظة أو كأنه يؤدي دورا، ومن المفهوم أنه بعدما يفرغ سوف ينزع عنه ملابس التمثيل ويرتدي ملابسه الأصلية.

أيا يكن من أمر فان شخصية الدسوقي: المخضرمة/ الفلكلورية/ الأسطورية لا تقدم سببا مقنعا، وهو الأرستقراطي الستيني، ليتخذه الأسواني مخلصا تهتدي اليه احدى شريكيه في البطولة بثينة الشابة التي يضج جسدها بالحياة؛ فتستعيد بواسطته براءتها التي لوثتها مياه طلال- صاحب محل شنن للملابس- المريضة، وكذلك الأمر بالنسبة لشريكه الثاني في البطولة طه الشاذلي الذي اختاره الكاتب لمواجهة عسف وظلم النظام، بطريقة، كما بدت في عنفها المادي، والأيديلوجيا العدمية التي تأسست عليها، من السهل على الجميع رفضها؛ هذا مع ادراكي أن هناك مجالات للأخذ والرد في الحالتين.

وكشخصية محورية في روايته، يبدأ الأسواني في وصف الدسوقي قائلا ان حياته التي امتدت خمسة وستين عاما ( … ) تتمحور غالبا حول كلمة واحدة: المرأة وبعد هذا الوصف يشرع في عرض معان وصور وشخصيات للمرأة تجدها حاضرة في كل فصل من فصول الرواية، وان شئتم، في كل مشهد من مشاهدها، تماما كما الرجل؛ وفي المحصلة تظهر المرأة في أكثر من صورة: تمارس الجنس كهوس- النبيلة كاملة ابنة خال الملك السابق التي تعلم معها آداب المخادع الملكية وطقوسها- تمارسه لاشباع رغبتها بعد أن أصبحت أرملة- سناء فانوس القبطية التي قعدت على ابنها- تمارس الجنس لحاجة- المتسولة التي التقطها ذات ليلة وهو سكران ( … ) واكتشف أنها لفقرها قد صنعت ملابسها الداخلية من أكياس الاسمنت الفارغة، ورباب التي سرقت الدسوقي، وكانت تمارس الجنس كمهنة بعد أن اضطر أصحاب البارات لاستخدام محالهم للاتجار بالدعارة من أجل دفع رشاوى لرجال الحكومة حتى يتقوا شرهم.

وفي نفس الوقت الذي ظهرت فيه هذه الصور، كانت هناك صور للنساء البلديات وهن ينشرن الغسيل على سطوح عمارة يعقوبيان حيث نشأ المجتمع الجديد بعد سياسة الانفتاح : مجتمع الفقراء؛  فظهرن وهن يغسلن وأصواتهن تعلو بضحكات مجلجلة، وكيف أن الواحدة منهن تعتبر أن حياتها البائسة تكون موفقة على نحو ما برغم كل شيء حين يضاجعها زوجها.

ودون هؤلاء النساء وأخريات مثل: دولت شقيقة الدسوقي، الحاجة فاطمة زوجة عزام التي تصغره ولم تستطع اشباع رغباته فتزوج عليها سرا الأرملة سعاد جابر شرط أن لا تحمل منه، وعندما حملت أمر فتّوته فأجهضوها، جانيت والدة الأستاذ حاتم الفرنسية التي كانت تخون والده مع عشيقها الفرنسي، ورضوى  أرملة الشهيد التي تزوجها طه عندما التحق بمعسكر الجماعة الاسلامية ـــــ دونهن جميعا، اختار الأسواني بثينة ابنة محمد السيد الذي توفي نتيجة مرض في الكبد؛ ليركز عليها، وبيّن كيف نضجت شخصيتها بعد أن خرجت للعمل بسبب الحاجة والحاح والدتها؛ فأدركت صحة ما قالته لها صاحبتها فيفي أن 90 % من أصحاب العمل يفعلون ذلك في اشارة الى ما كان يفعله معها طلال صاحب محلات شنن للملابس، وأن الشحاذين معاهم دبلوم تجارة مثلها، وأن مسايرة صاحب العمل شطارة وأن ما حدث لها شيء بسيط أشبه بالتصاق أحدهم بجسدها في الأتوبيس وخلال تجربة العمل، عرفت بثينة أن الرجال جميعا مهما كان مظهرهم وقورا ومقامهم كبيرا ضعفاء أمام امرأة جميلة وهذه الأخيرة، واحدة من مقولات عديدة، تشبهها أو تكاد، يوردها الكاتب على لسان الراوي، تأتي أحيانا لتلتبس على القارىء وكأنها تعكس رأي المؤلف نفسه، وتتناول معاني فلسفية لصورة المرأة في مخيلة الرجل، وأحيانا أخرى تظهر في منولوج داخلي حول احساس كل من الرجل والمرأة بالآخر: وهما منفصلان أو متصلان.

وفي المحصلة، في المحصلة فقط، يمكنني أن أدعي أن الأسواني صور المرأة: جسد وروح وفكر، ذكية وبلهاء، عشيقة وعاشقة، ربة بيت وعاملة، وحتى عضوا في حركة مسلحة رضوى كما تظهر مثلها مثل الرجل، تماما، ضحية للفقر الذي تسببت به سياسة الانفتاح التي جعلت مصر بلد الي معاه فلوس .

أخيرا: اذا كان الأسواني قد التقط، وببراعة، الخيط الواهي والرفيع بين الثورة وما بعدها، وبين الانفتاح وما بعده، وحدده بـ الفرق بين نادي السيارات وكبابجي الشيراتون باعتباره يعبر بدقة عن التغير الذي طرأ على النخبة المصرية الحاكمة قبل الثورة وبعدها ـــــ اذا كان كذلك؛ فلماذا أجرى تلك المحاكمة التي حملتها روايته لفترة جمال عبد الناصر على لسان زكي الدسوقي الأرستقراطي؟ لربما، وهنا فقط يبدو الأمر مقنعا، لأن موقعه في الرواية يقول ذلك؟!

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “" يعقوبيان " الأسواني تكشف " عطب " المجتمع المصري”

  1. الحمد لله الأول قبل الإنشاء والأحياء والآخر بعد فناء الأشياء العليم الذي لا ينسى من ذكره ولا ينقص من شكره ولا يخيب من دعاه ولا يقطع رجاء من رجاه اللهم إني أشهدك وكفى بك شهيداً وأشهد جميع ملائكتك وسكان سماواتك وحملة عرشك ومن بعثت من أنبيائك ورسلك وأنشأت من أصناف خلقك إني اشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ولا عديل ولا خلف لقولك ولا تبديل وأن محمد صلى الله عليه وآله عبدك ورسولك أدى ما حملته إلى العباد وجاهد في الله عز وجل حق الجهاد وأنه بشر بما هو حق من الثواب وأنذر بما هو صدق من العقاب اللهم ثبتني على دينك ما أحييتني ولا تزغ قلبي بعد أن هديتني وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ، صل على محمد وعلى آل محمد واجعلني من أتباعه واحشرني في زمرته ووفقني لحسن عبادتك وما أوجبت علي من الطاعات وقسمت لأهلها من العطاء في يوم الجزاء إنك أنت العزيز الحكيم.

    جمعة مباركة.

  2. شكرا

  3. غدير ابوسنينة قال:

    عمارة يعقوبيان من اجمل الروايات التي قرأتها,

    و قراءتك يا مصفى من افضل القراءات للرواية اذ شرحتها تشريحا مفصلا دون اسهاب مع الحفاظ على عنصر الاثارة و التشويق

    ام عبد الرحمن

    لم افهم شيئا

    احتراماتي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



*****