النكبة الفلسطينية قديما وحديثا

كتبهامصطفى بشارات ، في 22 كانون الأول 2006 الساعة: 23:58 م

 أتيحت لي مؤخرا فرصة مشاهدة أحد البرامج الثقافية الثرية، وهي، بالمناسبة؛ فرصة أجدها نادرة هذه الأيام؛ بسبب رواج " موضة " المواد الهابطة: ثقافيا وسياسيا؛ وعلى كل المستويات، وأكاد أجزم أن ذلك ينسحب على معظم وسائل الاعلام العربية؛ رغم الانتشار الكثيف لهذه الوسائل، وهو أمر كان يفترض أن يثري ذائقة الانسان العربي، ويرقى بمستواها، وبمستوى الوعي العربي؛ لكن ما يحصل؛ هو العكس؛ أما أسباب ذلك؛ فتلك حكاية أخرى؛ ليس مكان سردها هنا.

البرنامج المشار اليه؛ استضاف ثلاثة من أصحاب الكفاءات العرب؛ كل منهم عرض أسبابه التي دفعته لهجرة بلده، وأول هؤلاء شاعر لبناني لا أذكر اسمه الآن، وقد سافر منذ عشرات السنين بسبب ما دعاه " غياب المعنى لكل شيء " في لبنان، وأوضح أن هذا المعنى هو الحرية، وقال ان ذيول الحرب الأهلية في بلده لا تزال ماثلة، وان انتهت هذه الحرب؛ كما لا يزال البلد يرزح تحت سطوة نفس المجموعة من السياسيين وزعماء الطوائف، ولا تزال النخب الثقافية أسيرة لأهواء ومصالح هؤلاء.

وتحدث في البرنامج ذاته السينمائي العراقي ليث عبد الأمير، وقال ان القمع الذي ساد لعقود في بلاده دفعه لهجرة بلاده، وأضاف أن هذا القمع هو السبب أيضا وراء تمكن الأجنبي من غزو العراق، وما آل اليه الوضع هناك من اصطفاف طائفي؛ في وقت كان العربي أيام العهد الناصري يعرف على نفسه، بصرف النظر عن بلده الأصلي؛ بأنه عربي.

أما الاعلامية السورية هيام حموي، وقد تحدثت في البرنامج ذاته كذلك؛ فأشارت الى جملة الضغوط الاجتماعية التي كانت ستقف عقبة أمام خياراتها الشخصية؛ فاختارت هي الذهاب وراء هذه الخيارات، وذهبت بعيدا فهاجرت الى فرنسا، كما فعل سلفاها، ولا تزال تقيم هناك منذ عقود.

لم يختلف الأشخاص الثلاث، وكلهم من الكفاءات التي بنت اسما في الغربة، وحققت نجاحات يعتد بهاــ لم يختلفوا على أن المنفى الذي ذهبوا اليه لم يكن خيارهم الشخصي؛ بل قدرا سيقوا اليه رغما عنهم، وبسبب من سوء الأوضاع التي كانت سائدة في بلدانهم في تلك الأوقات، وهي لا تزال كذلك؛ بل ربما ازدادت سوءا.

استحضر هنا مرارة تلك الأحاديث والتجارب الشخصية، وأنا أشاهد آلاف الشباب من أبناء بلدي المتعلمين وأصحاب الكفاءات يغادرونه، لا رغبة منهم، كما حصل مع أسلافهم العرب؛ ولكن بسبب الفوضى العارمة التي أصبحت تعم الأراضي الفلسطينية.

اليوم؛ أكاد أقول وبالفم المليان؛ ان هجرة الكفاءات الفلسطينية الآن تشبه، وربما تفوق تلك التي حصلت عام 1948، ثم تكررت مع الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967؛ لكن الفارق و " المفارقة " أن هجرة اليوم تأتي بسبب فلسطيني داخلي، وتلك التي حصلت بالأمس؛ كان وراءها الغاصب والمحتل.

اليوم؛ يبدو لجوء الكثيرين للهجرة أمرا مسببا في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة الراهنة، وفي ظل غياب أي شكل من أشكال الأمن؛ سواء الشخصي منه أو الوظيفي، اضافة الى انسداد الأفق أمام أي حل سياسي؛ بينما تستمر البلد نهبا لأصحاب النفوذ، الاقتصادي منه والمادي، وأسيرة للصراع على السلطة، وهو الصراع نفسه الذي دخلت السلطة نفسها طرفا فيه؛ عندما انقسمت الى رئاسة وحكومة؛ أجهزة أمنية سيادية/شرعية وأخرى ميليشيوية/خارجة على القانون، وانقسمت الصلاحيات وتعددت المرجعيات، وتباينت الاجتهادات الدستورية.

ان ما أوردته ليس تبريرا للهجرة ولا وصفة تحث عليها؛ لأن من يرى حله الشخصي في مثل هذا الخيار؛ لن تثنيه أية قوة؛ كائنة من كانت؛ عن حزم حقائبه والمغادرة؛ وما ذكرته، في الحقيقة؛ هو وضع للأمور في نصابها؛ كي تتحمل النخب السياسية والثقافية المسؤولية فتتحرك بأسرع وقت ممكن لوقف الانهيار الحاصل؛ والا فلا أحد سينجو، وكما قيل " أكلت يوم أكل الثور الأبيض " .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : هواجس | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



*****