ثلج.. وأشياء أخرى

كتبهامصطفى بشارات ، في 29 كانون الأول 2006 الساعة: 16:46 م

 

 

أخيرا سقط الثلج؛ لكن مقولة الحاجة/الوالدة، ومعها همهمات كل الناس العاديين " من قلة اهدانا قلب صيفنا اشتانا " ـ لم تسقط.

أيا يكن الأمر؛ فقد تمنيت، وأنا أرقب عفش السماء الأبيض ينهمر على رؤوس الناس؛ ويغرق ثيابهم بالماء؛ لو أن هذا الخير يجد بابه الى قلوب السياسيين في بلادي؛ فيغسلها من أدران الأحقاد الشخصية، ومن مكائد السياسة الصغيرة؛ فالوطن أصبح أصغر الآن، يئن تحت وطأة الهموم، والأرض تتلاشى شيئا فشيئا، وأخشى أن تكون في حالة ميؤوس منها، ولن نجد سبيلا الى انقاذها؛ حتى لو تحولت كل فصولنا، بعد ذلك، الى شتاء.

 

***

يهرب مني قلبي؛ يتدحرج على قارعة الطريق؛ يحاول الاختفاء من بساطير الجنود القادمين وسط عتمة هذا الليل، وهدأة المدينة النائمة؛ يلوذ ببركة ماء تشكلت هناك في حفرة صغيرة عند أول منعرج طالع باتجاه أي حي تشاؤون.

آه يا قلبي الحزين؛ أحلامي الصغيرة، وذكرياتي البعيدة؛ حين يتنازع أخوة السلاح على سلطة تحت الاحتلال؛ لا تملك من أمرها شيئاـ يتكسر كل شيء؛ يتشظى الى قطع صغيرة؛ صغيرة جدا؛ تتساوى كل الاحتمالات، وأجدني محتارا لكم من بياض في الورق، وفي الطبيعة؛ سأحتاج لأعيش طقس الكتابة، وكم سأمزق من صفحات، وأشعل من سجائر، وأشرب من فناجين القهوة؛ كي تواتيني الفكرة؛ أية فكرة؛ لفهم ما يجري، ولماذا يجري: لماذا نتقاتل على كعكة ليست بأيدينا؛ وهل من الممكن أن يصبح الذئب في يوم الأيام ملاذا لفريسته؟!

 

***

عبثا أن أمني نفسي بليل هادىء لا يبدد سكونه أصوات هدير الدبابات التي تذرع طرقات المدينة؛ كل يوم؛ كأنها تمارس طقسا من طقوس الاستشفاء؛ أكتفي الآن بتحقيق مطلب واحد: أن يكف السياسيون عن اتحافنا بالحديث عن حرصهم على مصالح الشعب العليا، ومستقبل القضية؛ أشعر أنهم امتهنوا هذا الكلام؛ أو استطابوا هذه الاسطوانة المكرورة؛ ولا شيء على الأرض؛ أو في متناول اليد؛ فالأغنياء يزدادون غنى، ومعظم الشعب يفقر، وينتشر الفساد والرشوة ليصبحان شطارة، ويغدو المعاش، ولو بعد أشهر؛ منة من السماء، ويجري الناس على لقمة عيشهم؛ يركضون، ويركضون، وتهرب اللقمة؛ تختفي راحة البال، فيما الوطن: في العمق؛ في الضفة والقطاع، ومن رفح حتى جنين؛ لا يزال نهبا للمحتلين؛ أما الثورة؛ فتلك أصبحت يتيمة؛ اختلطت عند الكثيرين؛ رأى فيها الساسة ثروة، أما الغلابى الذين كانوا يعلقون عليها الرجاء؛ فطلقوها عندما طلقتهم ولم تكفل كثيرا ممن يتموا بسببها.

 

***

آه يا ثلج السماء.. أيها الخير الساقط من أعلى عليين؛ مر على كل زاوية، وبقعة في هذه الأرض المقدسة؛ أرض الرسالات السماوية الى البشر؛ لقد اختفى منها السلام، وعم الفساد البلاد والعباد؛ اغسلها ومر علي أنا: لا تنسني؛ أنا الانسان / العبد الفقير والمثقل بالخطايا، دوما؛ اغسلني من أدراني؛ ومن وجعي..أريد أن أحس بالوطن؛ أن ألمسه؛ حفظت اسمه عن ظهر قلب؛ اكتفيت بذلك لأكثر من ربع قرن، وأريد الآن أن أراه؛ أن أمسكه؛ فقد ضاع كل ما عرفته؛ ولم يعد في الصورة الا ميليشيات تتقاتل في أرض أخشى أنها لم تعد تصلح؛ حتى لمرعى؛ فالمناطق الخضراء: اما للمستوطنات؛ أو لبناء معسكرات تدريب " جيش الدفاع " ؟؟!!

 

***

عفوا.نسيت أن أودعكم.كل وطن وأنتم بثلج؛ مع اعتذاري لناجي العلي.

 

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

12 تعليق على “ثلج.. وأشياء أخرى”

  1. ثلج وموت وأحزان أخرى..

    هكذا هو اليوم الفلسطيني

  2. أعجبتني هذه المزاوجة بين سقوط الثلج بعد طول انتظار وبين ضجيج السياسيين في بلادنا الذي لم يثمر توافقاً حتى الآن. إنما لا يجوز أن نضع كل السياسيين في سلة واحدة، فثمة من يعمل بإخلاص للخروج من المأزق الراهن، وثمة من يماطل، وثمة من يضارب، وثمة من يراوغ، وما أرجوه هو أن نتعلم من كل ذلك كيف نكون مخلصين للوطن/ مع تقديري لك يا أخي مصطفى.

    محمود شقير

  3. ثلج وموت وأحزان أخرى..

    هكذا هو اليوم الفلسطيني

  4. أعجبتني هذه المقاربة: ثلج وموت وأحزان أخرى..شكرا للثلج الذي جعلك تعلقين بمدونتي؛ فتشرفينني؛ وأتعرف عليك وعلى كتاباتك التي أعجبت بها كثيرا.. دمت أيتها الأنثى، والى لقاء

  5. أشكر لك مرورك أستاذ محمود، وأتمنى أن يتواصل هذا المرور.. كان بودي، كثيرا؛ لو قرأت مقالتي ” الكتابة على أرض تحترق ” المنشورة هنا؛ يهمني رأيك كثيرا

    تقبل خالص مودتي

  6. وطننا الجريح يحلم بالحرية والتحرر يبحث عن أبنائه … والأبناء يبحثون عما يرثونه من هذا الوطن… لم يجدوا شيئاً، كل شيء كان حلماً…لم يتبق لنا لا وطن ولاكرامة.. لم يتبق لنا إلا حقداً أسود ينهش فينا إلى أن نقضي على بعضنا… لم يبق لنا سوى ذاتنا، فكرنا، وحلمنا… هذا إن بقوا….!!!!!!

  7. العزيز ( المجهول )

    كان بودي لو أنك عرفت على نفسك؛ فمن يملك هذه القراءة الثاقبة، والعميقة للأمور؛ يجب أن لا يبقى مجهولا

    أشكرك على تعليقك، ويهمني دوام زيارتك؛ مع خالص مودتي

  8. اشكرك بشدة لدعوتك اللطيفة …واشكرك اكثر على ما اتمعت به حواسي من كلمات رقيقة امتزج فيها لون الصفاء والطهر بلون دم الوطن المهدر تحت اقدام مغتصبه..ابدعت فى تصويرك…شكرا لك

  9. زميلة المدونات ( نجوى ابراهيم )

    لا شكر على واجب، واذا كان هناك من يجب شكره فهو موقع ( مكتوب ) الذي قدم لنا هذه الخدمة التي أتاحت لنا فرصة التواصل حتى نتعرف على أمثالك

    بالنسبة لرأيك فيما كتبت؛ فهو رأي أعتز به ويسعدني؛ مع رجاء دوام التواصل، والزيارات، وكتابة التعليقات التي تهمني، وأستفيد منها شخصيا، ولك خالص مودتي

  10. كم كان سيكون العالم جميلا ً وآمنا ً لو كانت قلوبنا بنقاء قطرات المطر ..

    أقف عاجزة عن التعبير أمام كلماتك ..
    لا يسعني سوى الدعاء لكم حيث أنتم في فلسطين الحبيبة ..

  11. جميل جدا ..

    دام لكم الوطن

  12. لنا جميعا يا Reema shb

    أشكرك على التعليق

    مودتي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



*****