عود في كومة من القش
كتبهامصطفى بشارات ، في 10 كانون الثاني 2007 الساعة: 20:17 م
" الصحافة هي التي تنشىء البرلمانيين كما انبثقت فينوس من زبد الأمواج "
( كتاب كفاحي لأدولف هتلر )
" الاغراء ليس فيما تراه؛ بل فيما تتخيله "
( رواية احدى عشرة دقيقة لباولو كويليو )
قبل فترة، وأنا أتصفح مدونة أحد الأخوة الجزائريين، تعثرت بمقالة لرئيس تحرير احدى الصحف العربية؛ ولطرافة المقالة اختارها صاحب المدونة لتكون بمثابة " حكمة اليوم " في مدونته، وطالب ذلك الصحفي في مقالته باغلاق الفضائيات العربية، وكانت حجته الصورة السلبية التي تعرضها هذه المحطات للانسان العربي، ويظهر فيها دائما: اما مشردا؛ متخلفا؛ وعاجزا؛ أو بهيئة " ارهابي "؛ " منتحر "؛ يطالع المشاهدين بصورة مخيفة وهو مقنع يتلو وصيته قبل أن يمضي ليفجر نفسه؛ أو وهو يحتجز رهينة سيواجه بعد فترة خطر " جزّ " عنقه بطريقة " مقززة " !!
لست هنا مع صاحبنا رئيس التحرير هذا فيما ذهب اليه من تعميم أخذ فيه " الطالح بعروى الصالح "؛ ولأن في طلبه دعوة مبطنة لليأس ومن أجل التعتيم الاعلامي، وشكل من أجل تكريس القمع الذي عانى ويعاني منه الآلاف من المواطنين العرب؛ ما دفع كثيرا من مثقفيهم لانشاء تلك المدونات التي كانت، وبجدارة، شخصية العام 2006، وسأعود في موضع متأخر للحديث عن هذه الـ " Blogs "؛ لكني أرى أن دعوة الصحفي المشار اليه تعكس جانبا مهما من المشاكل التي بدأت تخلقها بعض الفضائيات العربية فيما تقدمه من برامج؛ فعوضا عن أنها أصبحت تقدم المسؤول الاسرائيلي؛ حتى لو كان مجرم حرب؛ باعتباره " صاحب حق ووجهة نظر "؛ فانها، وهنا أرجو أن لا أقع في خطيئة التعميم، أصبحت وسيلة لاثارة النعرات الطائفية؛ المذهبية؛ العرقية..الخ من بؤر التوتر التي لا يحتاج وطننا العربي المزيد منها!!
احدى تلك الفضائيات بثت خبرا مفاده أن ايران حشدت قوات في الجانب العراقي من الحدود مع السعودية بهدف نقل الاضطرابات للمملكة؛ علما أن صاحب أدنى اطلاع في السياسة يدرك جيدا أن اثارة القلاقل من قبل دولة في دولة أخرى لا يكون بتلك الطريقة الساذجة والمكشوفة؛ ومع ذلك تكرر الخبر في يوم آخر، واحتل موضعا متقدما بين أخبار الصدارة، وجاء ذلك غداة كم هائل من التغطيات الاعلامية التي جرت لعملية اعدام الرئيس الشرعي للعراق صدام حسن، وما واكب تلك العملية الهمجية من ردود فعل غاضبة في العالمين العربي والاسلامي بسبب توقيتها والطريقة التي تمت فيها، والملفت أن تلك التغطيات الهائلة؛ حملت بالقدر ذاته كما هائلا من الشحن الطائفي والمذهبي؛ وهو شحن أظن أن العرب والمسلمين في غنى عنه؛ ولا يخدم الا أعداءهم!!
في سياق متصل؛ أصبحت البرامج " الفضائحية "، وتلك التي يبدو فيها المتحاورون كلاعبين في حلبة مصارعة – أصبحت " موضة " دارجة هذه الأيام؛ تتابع البرنامج من أوله الى آخره دون أن تفهم أي شيء، ولا تسمع غير الشتائم والاتهامات بالعمالة للأجنبي؛ أو الارتهان لسلطات البلد الحاكمة؛ وفي النهاية تكون مع نتيجة مضللة هي رأي الجمهور الذي أجاب على سؤال أعده المذيع بطريقة لا تحتمل الا تلك الاجابة، وفي رأيي فان تلك البرامج أكثر ما تكون بعدا عن هدف عرض وجهة النظر ووجهة النظر الأخرى؛ فما بين تلك الوجهتين أو الجهتين؛ هناك وجهات نظر أخرى أو جهات أخرى؛ من غير الأمانة الصحفية تغييبها؛ أو تعمية العيون عنها؛ والزعم أن ما تم كان موضوعيا!!!
الى ذلك؛ هناك دور سلبي مماثل وكبير تلعبه تلك البرامج التي تقدم على أنها وثائقية؛ أو كشفا جديدا لمجهول طواه النسيان؛ فهي في الحقيقة " لا وثائقية ولا ما يحزنون "، " ولا كشف جديد ولا ما يزعمون "؛ بل صور منتقاة بعناية ومركبة بطريقة فائقة، وما يعرض فيها ليس الا عود في كومة من القش؛ وتلك الكومة كبيرة كبر جبال الهملايا، وتخبىء في داخلها كما هائلا من الفساد، التخاذل، العجز، الفقر، التبعية، التخلف، وغيرها من " البلاوي " التي يرزح المواطن العربي " الغلبان " تحت وطأتها!!!
مشكلة هذه البرامج الأخيرة أن أصحابها يمكن أن يكونوا " مقاولين " وآخر شيء " صحفيين "؛ وهم لا يبحثون في حقيقة الأمر عن الحقيقة؛ بل عن الشهرة عبر أقصر الطرق؛ لذلك يركزون على كل ما هو مثير وله بريق؛ أخّاذ؛ ويخطف الأبصار؛ فهناك حديث كثير، وصور كثيرة عن جحافل " الكتائب "، وعن كم هائل من السلاح والصواريخ – خصوصا عندما يتعلق الأمر بفصائل المقاومة الفلسطينية – والنتيجة: خداع المشاهد؛ اذ يبدو له الأمر كما لو أن الفلسطينيين شكلوا جيشا جرارا " أوله في غزة وآخره في تل أبيب " وعاد هذا الجيش مكللا بالنصر، " وليس هناك احتلال ولا محتلون "، وتشكلت حكومة الوحدة الوطنية وتم القضاء على الفلتان الأمني؛ أما في العراق فلا تتحدث تلك البرامج الا عن " المقاتلين العرب " وكأن العراقيين خلو من النخوة وروح المقامة، وتظهر هؤلاء المقاتلين وكأنهم قاب قوسين أو أدنى من دحر الغزاة، ولا تبدو في المشاهد أية صورة لمئات العراقيين الذين يسقطون يوميا ضحايا لتفجيرات يقال الكثير عن هوية ومذهب منفذيها؛ بينما يبدو المحتل بصورة الحمل الوديع؛ أو كالبريء براءة الذئب من دم يوسف!!!
.. وحتى لا أنسى موضوع المدونات العربية؛ فهي بحق بصيص الضوء الذي يكاد يكون وحيدا ومرشدا وسط هذا الكم الهائل من ترهات كثير من وسائل الاعلام العربية التي سقطت في فخ، ولا أقول مؤامرة، ممارسة ذات الدور الذي مارسته علينا آلة الاعلام الغربية؛ حينما دأبت على تضخيم الكثير من مشاكلنا؛ فجعلتها بحجم وخطورة أسلحة الدمار الشامل التي زعم أن صدام حسين كان يمتلكها؛ فتلك الوسائل أصبحت تستخدم بريق الصورة، وايقاع المؤثرات الصوتية؛ لتسفيه وتسطيح وعي وذوق الانسان العربي؛ والا فما بال وعي الانسان العربي في تراجع مستمر مع أن الأعوام العشرة الماضية شهدت انطلاق مئات الفضائيات العربية؟؟!!
المشكلة هي أن تلك الفضائيات لم تنتقل لتمارس دورها كمنبر حر يستوعب الآراء المختلفة حول أنجع السبل الكفيلة بحل القضايا العربية؛ وما تقوم به هو اعادة انتاج للاعلام الرسمي العربي؛ لكن بصورة جديدة تم " منتجتها " بعناية، واضافة ما يلزم من مؤثرات اليها؛ كي تقوم بتنفيس احتقان المواطن العربي؛ كما لا تزال هذه المحطات حكرا على فئة بعينها من المذيعين والمعلقين؛ بينما تغلق أبوابها في وجه الصحفيين والمثقفين الحقيقيين، وأصحاب الرأي الثالث؛ ذلك الرأي الذي يعتد به، وهو موجود بقوة في عالمنا العربي، وما هذا الكم الهائل من المدونين العرب، والمدونات العربية على الشبكة العنكبوتية؛ الا أكبر دليل على ذلك؛ فلو أن هؤلاء وجدوا منبرا حرا يعبرون فيه عن آرائهم، آمالهم، وطموحاتهم؛ لما ذهبوا الى تلك المدونات التي لا تغني ولا تسمن من جوع، ولا يأتيهم من ورائها الا عسف السلطة ومصاريف جديدة بسبب طول فترة استخدام الانترنت؟!!
اخيرا؛ فان ما ذكرته لا يعني بأي حال من الأحول التعميم؛ فالأخير احدى الآفات التي أوقعت عالمنا العربي في الكثير من مشاكله الراهنة ولا تزال، وهو ليس مدعاة للتشاؤم؛ فهناك برامج كثيرة يعتد بها – " شرفات " في محطة العربية، " يحكى أن " في الجزيرة، و " خليك في البيت " في المستقبل..الخ؛ بل هو محاولة لطرق الخزان؛ أو لقرع جرس الانذار؛ علّ هذا الماء الراكد يتحرك؛ فالأمة العربية والمواطن العربي يستحقان اعلاما يكون بمستوى عظمتهما: أما آن لأصحاب السلطة الرابعة أن يترجلوا عن خيولهم؟؟؟؟!!!!
وما غايتي الا: الحرية، الحق، الخير، والجمال..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : هواجس | السمات:هواجس
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























***** 
يناير 11th, 2007 at 11 يناير 2007 9:54 م
أخي الحبيب لحين عودة وعينا المفقود يظل الإعلام بين إصابة وعثرة ؛بين نشر حقيقة وتسويق إشاعة ؛ بين زرع أمل وتأكيد يأس … ولكن رغم كــل شيء فهو يفتح عيوننا على الدنيا ؛ يرينا الأشياء .. الأهم أن الفضائيات تنقل الصورة ورغم أن رؤساء التحرير يدركون خطورتها ويحاولون تمرير الصورة التي تخدم الفكرة المسوقة فإننا كثيرا ما تجدنا نكتشف الحقيقة دون مواربة ودون توجيه ؛ ربما لكل شيء ثمن ولكن النور بسوآته أفضل من الظلام .
حياك الله .
أخوك .
يناير 11th, 2007 at 11 يناير 2007 10:31 م
الأخ عبد الحق هقي
أشكرك على هذه الاطلالة، وهذه الاضافة المفيدة
تقبل خالص تحياتي ومودتي
يناير 11th, 2007 at 11 يناير 2007 10:34 م
السلام عليكم
من المؤكد أن الإعلام العربي بحاجة إلى إصلاح..لكن دعنا نتفق أننا منذ خمسة عشر عاماً فقط كنا تحت نير سيطرة الإعلام المحلى على عقولنا والذى كان يوصل إلينا مايحب فقط من معلومات صحيحة أم غير ذلك..بيد أن الانفتاح الرهيب الإعلامي كسر هذه القضبان وفك أسرنا..ودعنا نتفق أننا لم نكتشف حجم الزيف الذى كنا نعيشه إلا بعدما عشنا عصر الفضائيات..
فلننظر إلى نصف الكوب الممتلىء..
يناير 11th, 2007 at 11 يناير 2007 11:37 م
د.حنان فاروق المحترمة
تشرفت بزيارتك، وسعدت برأيك، ولا أستغرب من طبيبة أن تنظر دائما الى النصف الممتلىء من الكوب؛ فهي بحسها الملائكي، وعندما تكشف عن حجم ألم المريض؛ تختار أن تعزز لديه كل ما يبعث على الأمل أو الطمأنينة.
ما تضمنه مقالي لا يتناقض مع ذلك؛ بل هو يسعى الى زيادة حجم الملآن من الكوب.. ان من حقنا أن نحلم بغد أفضل، والا ما معنى الحياة من دون جديد.
أشكرك، وتقبلي خالص مودتي؛ مع رجاء دوام التواصل
يناير 24th, 2007 at 24 يناير 2007 7:04 م
تحياتي لكل من يشاهد تعليقي
ولكنه ليس تعليق ، بل هو سؤال
اولا انا لست دكتورا ولا صحفيا ولا حتى من متابعي الاخبار
لذا سؤالي سيكون:
ما دمنا نعرف ان اغلب ما يذاع من الاخبار شبه كاذب او (مبهّر ) ، لماذا تشاهدو الاخبار؟
انه سؤال اخر
اذا كنا لا نأتي بالاخبار الصحيحة من الاعلام ، هل المصدر الذي تأتي منه له ميزة الصدق اكثر من الاخبار؟
شكراً خال…
يناير 25th, 2007 at 25 يناير 2007 8:26 ص
المجهول
أولا كنت أفضل أن تكتب باسمك الحقيقي وهو عميد
أما بالنسبة لتمحيص الغث من السمين ( في الأخبار ) فهو راجع لثقافة الانسان نفسه؛ فضلا عن الأخبار ليست جميعا كاذبة ومبهرة
تحياتي لك؛ مع خالص المودة
يناير 25th, 2007 at 25 يناير 2007 12:31 م
سيدي الكريم
يطيب لي ان ادعوك للاطلاع على مدونتي المتواضعة، والاطلاع على بعض القصص والمقالات، رايك يهمني وكذا انتقاداتك واقتراحاتك.
شكرا والى لقاء اخر
يناير 25th, 2007 at 25 يناير 2007 4:06 م
أخي حاجي
أشكرك على هذه الدعوة التي أتشرف بها
تقبل احترامي وخالص مودتي؛ مع رجاء دوام التواصل
يناير 26th, 2007 at 26 يناير 2007 7:47 ص
في 26, كانون الثاني, 2007 - 6:37 صباحاً حاج سليمان كتبها …
سلام الله عليك
أخي الفاضل أختي الفاضلة كما عودت نفسي أن أمارس كل يوم جمعة سياحة ثقافية عبر صفحاتكم
أسرق بعض لحظاتكم ربما موضوعك ذو أهمية بالغة وذلك أكيد لكن
اليوم يوم جمعة يوم الفضل ويوم الدعاء ويوم الزيارة لذلك إسمح لي بالتغريد خارج السرب
ما أعظم نعم الله لعباده ومن أثمن نعمه اليوم هي تقاربنا بواسطة هذه الوسائل التي سخرها الله لنا
لكن هل نحن في مستوى هذا التقدم وهذه النعم ؟
الأكيد أنكم تحسون بعظم المسؤولية وإن كنتم غير ذلك فعلينا بالتحرك , لماذا ؟
لأن الوقت يحاصرنا من كل مكان ليسألنا ماذا عملتم فيما علمتم ؟ الجواب
أخي الكريم أختي الكريمة لو نقيس المسافات التي تباعدنا والمسافات التي تقربنا لوجدنا
أن ما يقربنا أكبر بكثير مما يباعدنا فلنعمل على تغيير بعض الحقائق من قلوبنا لنعمل حقاً
على أن نكون أمة واحدة , إن سفري كل يوم عبر هذا الجو الإفتراضي ليس عبثاً بل هي حقيقة
ربما يفهم من كلامي أني أريدك أن تزورني في مدونتي أو أن تترك لي تعليقاً على موضوع أكتبه كلا
كلا وألف كلا , كل ما يأرق قلبي وقلبك هو هذا التشردم الذي نحن فيه من غير فائدة فلا نحن بلغنا
سطح القمر ولا نحن ضمنا أرض الجنة فلما التشردم ولما الإحتقار
أخي العزيز أختي الغالية ربما أكون قد تطفلت عليك بكلماتي هذه لكنه واجب الزيارة ليوم الجمعة عندي
اليوم عيد والأيام أيام فضل فلنرفع أيدينا للسماء ولنتجه لقبلتنا الشريفة ونبتهل بأي لغة شئنا
وأجمل لغة هي العربية الفصحى
يارب أعز الإسلام والمسلمين
يارب وحد صفوف إخواننا في فلسطين والعراق ولبنان وسائر بلاد المسلمين
يارب دمر اليهود وأعوانهم اللهم إجعل تدميرهم في تدبيرهم يارب
آميــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتن آميـــــــــــــــــــــــــــــــن
أخي الكريم أختي الغالية آسف على الإزعاج والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يناير 26th, 2007 at 26 يناير 2007 3:01 م
اخي الكريم
اوافقك الراي بان البكاء بصورة عامة والبكاء على الماضي والاطلال بصورة خاصة هو سمة ادبنا العربي في الغالب، ورغم أنني لا أحبذ هذا الإتجاه الذي يجعلنا منفصين عن الواقع ومنفصلين عنه، الا انني وجدت نفسي اسبح مع التيار لا شعوريا…على كل الحال القصيدة كتبتها منذ سبع سنوات وربما تعبر عن مرحلة ما في حياتي.
شكرا على زيارتك اللطيفة و والى اللقاء.
مارس 9th, 2009 at 9 مارس 2009 7:01 م
تحياتي للكاتب على هذه الكلمات الرقيقه والهادفه وانامنتسب جديد وانشاء الله نتواصل
اشكرك مره اخري عزيزي الكاتب
مارس 12th, 2009 at 12 مارس 2009 3:05 م
أحلى يافا وميس الريم.. وآمل أن تتكرر زياراتكم وتوقيعاتكم على مدونتي