حالة صحو مزمنة

كتبهامصطفى بشارات ، في 9 أيلول 2006 الساعة: 10:46 ص

 

قصة قصيرة

" صعب ، هو، اختيار عنوان معبر عن الهدف… حاولت اختيار عنوان غير هذا لقصتي؛ لكنني لم أجد الا، هو، فعذرا صديقي أمين*؛ فالكلمة ساحة نلعب فيها، جميعا، دون أن نغادرها."

أسير في طرقات الجامعة متعبا ، تنهكني الأفكار التي تأكل بصيلات مخي. هكذا حللت بأن، هناك بصيلات لمخي وأحسست بأنها تحترق؛ بل وشممت رائحة الحريق. أحاول أن أبتلع ريقي؛ لكن عبثا أفعل؛ لأن الجو حار ويبدو أن جوف فمي تحول الى صحراء مقفرة أو الى بئر جفت ولم يعد في قعرها سوى الحجارة وبعض العلب الفارغة.

أمسكت رأسي بين يدي، وضغطت الأخير أكثر؛ وكأنني أحاول أن أعتصر شيئا ما، بداخله، لكن كل محاولاتي ذهبت أدراج الرياح…. وبعد أن فشلت في استخراج المادة المطلوبة من الرأس فككت يدي، وكأنني أحل حبلا عقد، جيدا، وتركت رأسي يستقر بين كتفي. تركت له العنان ليترنح هنا وهناك؛ لكنني نظرت خلفي وأمامي خوف أن يشاهدني أحد فيظن بي الظنون، ثم تابعت السير وكانت وجهتي صوب قاعة المحاضرات.

الدكتور يفتح كشف الحضور والغياب.. بدأ بذكر الرقم التسلسلي لكل طالب، وحينها، قفزت لذهني فكرة أنني رقم؛ أو أننا؛ جميعا، أرقام. لا أعرف لماذا؛ لكن الذي أعلمه، فقط، هو أن الدكتور لم يقصد ذلك؛ لكنه وبحسن نية، يريد حفظ الأمور من التسيب، والاطمئنان على مواظبة الطلبة على الحضور. بدأ الدكتور المحاضرة وكانت عن الوحدة العربية. نظر إليه الطلاب باهتمام؛ وكأنهم ينتظرون منه أن يحقق هذا الحلم، كما أنني، أنا أيضا، تطلعت إليه بنهم. أعجبني كلامه وسال لعابي على الخير الذي سوف أغرق فيه لأذني حين تقام الوحدة. حلمت بالمشمش والاجاص والموز الذي مضت فترة طويلة لم أستطع خلالها أن أتذوقه، حيث كنت أكتفي بترميقه بناظري حين أمر أمام بقالة الخضروات، وأنا ذاهب الى الجامعة أو وأنا عائد منها. سعدت كثيرا بهذه الوحدة التي ستلغي الفوارق الطبقية، وستأمم الفاكهة لأتنغنغ بها، أنا أيضا.

أخذ الدكتور يحدثنا عن أن الشعب العربي شعب واحد، و متلاحم مع بعضه البعض كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا؛ فإذا استغاثت امرأة في العراق فسوف تجد من يلبي نداءها في أرض الكنانة؛ وأن هذا الشعب سيبقى موحدا ، كذلك، في وجه كل المؤامرات الإمبريالية والصهيونية والانتهازية والرجعية والإقليمية؛ وأن ما تقدم ينطبق على الجميع: صغارا وكبارا، شيبا وشبانا، رجالا ونساء، عقالا ومجانين، أصحاء ومرضى، أطفالا يرضعون من أثداء أمهاتهم أو من حليب ( نستلة) كامل الدسم،… وأنه سيقاوم كل محاولات التبعية والتجزئة والتخلف، ولن يتحول الى مجتمع استهلاكي للشبس والمالبورو وشفرات الجليت جيتو.

 

فجأة توقف سيادته عن الحديث؛ فقد سمع همسا يسري في القاعة فقام وأنب أحد الطلبة لا ناقة له ولا بعير بما حدث، وطلب منه الاستماع جيدا لأن المحاضرة مهمة وسوف يأتي منها في الامتحان؛ ولأن هذا الكلام نادر ويقال لأول مرة… وأنا بدوري وجدتني أصرخ بأعلى صوتي" عاشت الوحدة العربية… عاشت… عاشت". ولا أعرف ماذا حدث بعد ذلك؛ فقد أخذ صوت الدكتور يرتفع ويحتد وغدت عيونه تقدح شررا… وأخذ الطلاب يهتفون" هي هي هي هي… هي الوحدة العربية". وبدؤوا يقذفونني بالكراريس وقطع الخشب التي تشكل المقاعد التي يجلسون عليها. وقعت على الأرض من شدة الصدمة، وأصبحت دفاتر المحاضرات وقطع الخشب تطمرني من رأسي حتى أخمص قدمي، وشعرت أن أجسادا كثيرة وثقيلة تمر من فوق جسمي، كما أحسست أن عمودا، ما، غرز في ثقب، ما، ويبدو أن المغروز هو علم دولة الوحدة… وبعد ذلك تكسر رأسي وتقطعت يداي ورجلاي وبدأ دمي يسيل… كان لزجا وله رائحة نتنة. عندها شعرت بالدوار والغثيان وبدأ القيء يسيل من فمي، وفي الوقت ذاته، بللني العرق وأخذ يتصبب من جبيني. لم يكن بامكاني فعل أي شيء الا أن أشاهد أشلاء جسمي تتناثر في الشوارع والطرقات، وأن أسمع صدى صوتي يردد" عاشت… عاشت"… بقيت أسمع هذه الكلمة فترة من الزمن ثم غابت بعد وقت قصير بين أبواق السيارات المنبعثة من كل مكان.

* أمين: القاص الفلسطيني أمين يوسف عودة، من مواليد مخيم عقبة جبر في أريحا، وله قصة تحمل العنوان ذاته الذي تحمله قصتي التي بين أيديكم

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب, سيرة ذاتية | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “حالة صحو مزمنة”

  1. لحروفك رائحة الطين بعد هطول المطر !

    أخي محمد ..

    تعثرت بنصك الجميل .. البعيد عن التكلف .

    الذي يظهر فيه الانسان بأبهى صوره .. مطبوعا با الأمل .. . بالحلم .. والألم .

    دمت بود

  2. عزيزي مصطفى

    بصدق أتمنى أن تقبل أعتذاري على الخطأ الغير مقصود .

    ***

    أكرر أعتذاري .

  3. الى sweet

    سعدت بهذا التعثر الذي أرجو أن يتكرر

    مع خالص مودتي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



*****