مصطفى بشارات
بالمهارة ذاتها التي بنيت فيها عمارة يعقوبيان عام 1934 لتكون كما لو أنها تحفة من الغرب على أرض الشرق… بنفس المهارة بنى علاء الأسواني، طبيب الأسنان الذي يعالج عطبها ويجسر ما بينها، عالم / عوالم روايته التي حملت نفس اسم العمارة يعقوبيان لتعكس هذه الأخيرة، بدورها، نبض الشارع المصري بكافة تناقضاته.
لقد احتفى الأسنواني كثيرا بالمكان، وهنا هو ع
مارة يعقوبيان الواقعة على شارع سليمان باشا- طلعت حرب حاليا- لقد فعل ذلك، لا لشيء؛ الا لأن هذا المكان هو قلب القاهرة، والذي يرصد الكاتب ثلاثة تحولات مرت عليه، أو، ان شئتم، ثلاثة أنهار جرت فيه : فترة الاقطاع- حتى أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات- وعاد فيها بطل الرواية ( زكي عبد العال باشا الدسوقي ) من بعثة دراسية في فرنسا، وافتتح في العمارة مكتبا هندسيا فاشلا، لا يفصله عن مكان سكنه في ( ممر بهلر ) سوى مئة متر، وكان شارع سليمان باشا، وقتها، لا يزال يحتفظ بطابعه الأوروبي، وسكن يعقوبيان وزراء وباشوات ورجال صناعة أجانب واثنان من مليونيرات اليهود، وبقي السطح لخزين الأغذية- فترة الاقطاع- وبدأت بثورة الضباط الأحرار عام 1952، وهجر وقتها البلد اليهود والأجانب، واستولى على شقق العمارة ضباط الثورة واستخدمت السطوح من نساء بعضهم لتربية الدجاج- والفترة الثالثة، ولا تزال مستمرة حتى وقتنا الحاضر، وتجري فيها أحداث الرواية- هي فترة الانفتاح الخصخصة في لغة الاقتصاد وبدأت في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، ونشأ على سطح العمارة مجتمع جديد، هو مجتمع الفقراء، وبدأ الأثرياء بالخروج من وسط البلد الى المهندسين ومدينة نصر واجتاحت المجتمع المصري موجة كاسحة من التدين ساهم فيها، وبتناغم، وكل حسب مصلحته، النظام الحاكم، بشكل خاص حكم الرئيس السادات- والتيار الاسلامي المعارض الاخوان المسلمون .
في هذا السياق، يحق لزكي الدسوقي أن يكون الشخصية المحورية في الرواية؛ باعتباره- أولا: شخصا مخضرما عايش الفترات التاريخية الثلاثة- وثانيا: شخصية فلكلورية ببدلته الكاملة صيف شتاء واسطورية على نحو ما، مما يجعل حضوره مشوقا وغير حقيقي تماما وهنا يخرج المؤلف من عباءة الراوي، كما في مواضع عديدة من الرواية؛ ليحل هذا اللغز فيقول مفسرا، وهذا ليس مطلوبا منه كأنه- الدسوقي- قد يختفي في أية لحظة أو كأنه يؤد
















***** 