كانت رام الله،كعادتها،تبدأ يوما جديدا في ممارسة سلطتها على جمهور المتسوقين؛وهي سلطة استمدت المزيد من أسباب المنعة؛مع وجود مقر الرئاسة الفلسطينية في المدينة ( المقاطعة )،وتركز مقار مختلف الوزارات،والمؤسسات غير الحكومية والدولية؛فيها؛فعلى العكس منه في المدن الفلسطينية الأخرى؛يشعر المتسوق في رام الله؛وكأنه مغبون في الأسعار؛ويكتشف اذا ما جسر واشترى؛أن كثيرا من حاجياته الضرورية،لم يحصل عليها؛فيما جيبه قد أصبح فارغا،هكذا دون أن يعرف؛وان امتلأ بطنه؟!
تلك هي رام الله: مدينة الأحلام والتناقضات-كما وصفها الروائي أحمد رفيق عوض-و his breath-كما قال عنها صديقي أسامة نزال؛أستاذ الانجليزية؛فيما لا تزال،عندي،امرأة كباقي كل النساء؛لها نكهتها الخاصة؛ولغزا يغري:من تلك الألغاز السهلة/الممتنعة.
هذا هو ديدن رام الله؛منذ أن تبوأت،مؤقتا، مكانة القدس-العاصمة الأبدية للدولة الفلسطينية-ويوم الأول من نيسان؛استمرت على نفس المنوال؛وان ازداد طقسها برودة على غير العادة في مثل هذا الوقت من السنة؛فمن يعرف أجواء البلاد،يدرك جيدا أن اجتياز آخر آذار؛يعني العبور،رويدا،رويدا؛باتجاه الصيف.
هنا؛قد لا يعني الحديث عن الشتاء شيئا؛لقارىء يقلب عناوين صحيفته ويمضي؛فهو اذ يفعل ذلك؛يكون كالسياسيين الذين يطلقون شعاراتهم عبر شاشات التلفزة ويمضون؛وفي بلادنا؛كما باقي كل بلدان الشرق؛لا يروق لغالبية الناس الكتابة عن أمور ليست جزءا من الأحداث التي يمرون بها؛وكأن قدرنا أن نعيش فقط أيامنا؛هذا اذا أتيح لنا ذلك؛أصلا..لكل ذلك؛أجدني كم يخوض مجازفة غير محمودة العواقب،وأنا أكتب عن شتاء جاء متأخرا؛قد يراه البعض أتى في وقته،وربما لا يعني الأمر شيئا عند آخرين.
في ذلك ( النيسان ) ،وكانت رام الله تلج أو الليل،تفاجأ الجميع بحجم الأمطار الغزيرة التي سقطت؛ خلافا لعادتها في مثل هذا الشهر من السنة؛فحتى الوادي الصغير المار خلف العمارة التي أقطن في احدى شققها؛اندفع كالسيل؛بينما لم يشكل في كل أيام فصل الشتاء التي مرت الا جدولا صغيرا؛كان بامكان الصغار أن يخوضوا فيه دون أن يواجهوا غضب آبائهم؛أو خطر المغامرة..وأذكر وقتها،كيف كتبت رئيسة تحرير " الحال " في افتتاحية الجريدة، تسأل،متوجسة،كيف سيكون عليه ( الحال ) في 1 نيسان 2006؛بعد أن مر 28 آذار الماضي بلا مبالاة فلسطينية؛ازاء سلسلة كبيرة من الأحداث التي وقعت:تنصيب حكومة حماس؛الانتخابات الاسرائيلية،والقمة العربية في الخرطوم؛وما سيفرزه كل ذلك من تطورات؟!
كانت غزارة الأمطار التي هطلت؛والبرق الذي ضرب فتسبب بانقطاع التيار الكهربائي؛وصوت الرعد الذي دوى كصوت صواريخ طائرات الاحتلال-كان كل ذلك يشابه كذب نيسان؛والذي وان كان كذبا؛الا أنه من النوع اللذيذ؛فيستقبله الناس برحابة صدر؛كأن فيه ما يبدد رتابة أيامهم؛أو يخبرهم عن أشياء تمنوا لو أنها تتحقق؛فما بالكم بالنسبة للناس،هنا في فلسطين،حيث يصبحون على ما يمسون عليه من قتل وحصار؟!
وفي نيسان من عام 2002،كانت الأيام والليالي شبيهة تماما بهذه الليلة الماطرة؛وقد قادتني الصدفة الخاطئة في ذلك الشهر الى المكان الخطأ؛فعلقت في بيت صديقي الذي كنت في زيارة له مع زوجتي وابني ( حمودة ) الذي كان في الشهر التاسع من عمره-علقنا جميعا؛مع باقي سكان عمارة " لا اله الا الله " –وهي التي أصبحت علما في نشرات أخبار مختلف محطات التلفزة-وذلك لمدة جاوزت الأسبوع.
كانت العمارة تقع قبالة مقر جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني في بلدة بيتونيا؛الى الغرب من مدينة رام الله،وتمتد بشكل ملاصق لها،لا يكاد يميزها عنها؛الا ذلك السكون؛والذي عادة ما تحفل به البل














***** 